أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

164

العقد الفريد

ثم قال : ألا ترى النصف الأوّل كيف استأذن على القلب فلم يأذن له ، والنصف الثاني استأذن على القلب فأذن له ؟ قلت : وما ذا ؟ قال : مثل قول الشاعر : ندمت على ما كان منذ فقدتني * كما ندم المغبون حين يبيع قال : ألا تستطيب قوله « فقدتني » باللّه يا ابن إدريس ؟ قلت : بلى . فضرب بيده على فخذي وقال : قم يثبت اللّه لك قرنك ! وابن إدريس يومئذ ابن ثمانين سنة . وحكي عنه ابن إدريس قال : مررت به في مربعة كندة ، وهو جالس على رماد وبيده قطعة من جص وهو يخبط بها في الرماد ؛ فقلت له : ما تصنع هاهنا يا ابن أبي مالك ؟ قال : ما كان يصنع صاحبنا . قلت : ومن صاحبك ؟ قال : مجنون بني عامر . قلت : وما كان يصنع ؟ قال : أما سمعته يقول : عشيّة مالي حيلة غير أنني * بلقط الحصى والجصّ في الدار مولع قلت : ما سمعته ! فرفع رأسه إليّ متضاحكا ، فقال : ما يقول اللّه عز وجل : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً « 1 » فأنت سمعته أو رأيته هذا كلام من كلام العرب ولا علم لك به . قلت : يا بن أبي مالك ، متى تقوم القيامة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، غير أنه من مات قامت قيامته . قلت : فالمصلوب يعذّب عذاب القبر ؟ قال : إن حقت عليه كلمة العذاب يعذب ، وما يدريك لعل جسده في عذاب من عذاب اللّه لا تدركه أبصارنا ولا أسماعنا ، فإن للّه لطفا لا يدرك . قلت : ما تقول في النبيذ حلال أم حرام ؟ قال : حلال . قلت : أتشربه ؟ قال إن شربته فقد شربه وكيع ، وهو قدوة . قلت : أتقتدي بوكيع في تحليله ولا تقتدي بي

--> ( 1 ) سورة الفرقان الآية 45 .